صباح الورد ...

انتباه، الفتح في نافذة جديدة. PDFطباعة

تقييم المستخدمين: / 5
سيئجيد 

ما غبطت أصحاب مهنة من المهن قّط كما غبطت بائعي الزهور والورود. ومع الاعتذار لكل العاملين من الرجال في محلات بيع الورود والاعتراف بمهارتهم فإنني لا أتصور لهذه المهنة سوى ذوات الأنامل الرقيقة الناعمة المهيأة وحدها للتعامل مع كائنات هذا العالم البهيج، عالم الورود بأشكالها الجميلة وروائحها العطرة وألوانها الزاهية ودلالاتها وثيقة الصلة بالمشاعر والأحاسيس المرهفة. ولا أخال هذه الفكرة الا عائدة الى المنظر المألوف الذي كثيراً ما شاهدناه على ارصفة شوارع المدن الغربية وفي أسواقها الحديثة والشعبية، حيث تنتشر محلات وأكشاك بيع الورود فلا تكاد تطالعنا فيها سوى وجوه نساء في مختلف مراحل العمر وإن كان أغلبهن في منتصفه أو على أبواب خريفه.

وكلما شاهدت واحدة من اولئك البائعات وقفت متأملاً لها وهي تقوم بتشذيب الورود وإعداد الباقات بفن وذوق حتى كدت ألمح فيها رسامة تبدعFlower Designer Women لنا لوحة جميلة، أو عازفة تسمعنا لحناً شجياً، أو شاعرة تنظم قصيدة حب رائعة.

يقال إن أصل الورود يعود إلى المناطق الواقعة شمال الكرة الأرضية ثم أدخل فيما بعد إلى المناطق الأخرى من العالم. وربما كان هذا هو السبب في كون مجتمعات الدول الواقعة في جنوب الكرة الارضية أحدث عهداً بثقافة التعامل بالورود من تلك الواقعة في شمالها، وإن كانت هذه الثقافة قد تنامت مؤخراً بشكل سريع أدى إلى انتشار محلات بيع الورود وإقبال كل سكان المعمورة على التهادي بها في المناسبات المختلفة، وبدون مناسبة أحياناً اللهم إلاّ لمجرد إبداء المشاعر وبعثها من جديد في النفوس بعد أن أثبتت الوردة أنها أبلغ رسالة حب من المهدي إلى المهدى إليه دون الدخول في تفاصيل نوع هذا الحب ومقداره والغاية منه.

ورغم تعدد دلالات الألوان في الورود فإنها تشكل إشارات إلى مشاعر تختلج في النفس ربما كانت أبلغ تعبيراً وأكثر تأثيراً من كلام أوتي صاحبه من ملكة القول والتعبير ما أوتي.

ولقد استخدم الناس الورود في التعبير عن مشاعرهم في كثير من المناسبات لعل أشهرها وأكثرها التصاقاً بفكرة الورد عيد الحب، حيث تأخذ الورود الحمراء مكانها لتصبح القاسم المشترك في كل الهدايا على اختلاف أنواعها وقيمتها. كما تأتي مناسبات الزواج والميلاد على رأس المناسبات التي تغدو فيها الورود الهدية المفضلة. وهي وسيلة تأخذ مكانها أيضاً في مراسم الاستقبال والاحتفاء بالملوك والرؤساء وكبار الضيوف، تقدم لهم أسفل سلالم الطائرات وعلى أرصفة الموانيء ومحطات القطارات وعند وصولهم إلى أماكن الاحتفالات.

وكما أن الورود وسيلة تعبير عن الحب والتقدير للأحياء فهي وسيلة للتعبير عن ذلك للأموات أيضا. ولا أظننا ننسى منظر باقات الورود التي تكدست على سور قصر باكنغهام في لندن عشية الاعلان عن وفاة أميرة القلوب الليدي ديانا، ولعل هذا المنظر هو ما دفع الأمير تشارلز وأمه الملكة وجدته الملكة الأم ـ قبل وفاتها ـ الى تخصيص مبلغ عشرين مليون جنيه استرليني لإنشاء أكبر حديقة ورود على وجه الأرض وإطلاق اسم ديانا عليها تخليداً لذكراها.

ولا يمكن أن يدور حديث عن علاقة الورود بالحب دون ان تحضر حكاية الوردة الحمراء «ايفيت لابدوس» ملكة جمال فرنسا التي كانت تزورChild Flower مصر سنة 1938 بدعوة من القصر الملكي للاحتفال بعيد الميلاد، فافتتحت الرقص مع أحد الأمراء بينما كان الامير محمد أغا خان ـ زعيم الطائفة الاسماعيلية ـ يتابع بانبهار الضيفة صاحبة العيون الملونة. وما إن انتهت الرقصة حتى دنا منها الأمير المغامر ليتعرف عليها، ويتحول التعارف بعد ذلك إلى صداقة ومودة أدت إلى زواج الأمير السبعيني من ملكة الجمال السابقة التي كانت تصغره وقتها بثلاثين عاماً، ولتتحول «ايفيت لابدوس» إلى «أم حبيبة» وتصبح منذ تلك الساعة أم الاسماعيليين وحبيبة قلب زعيمهم، الذي كانوا يزنونه بالألماس والذهب، وتعيش معه ثلاثة عشر عاماً قبل أن يتوفى ويدفن في «أسوان» لتسطر هي بعد ذلك واحدة من أعظم ملاحم الحب والوفاء، إذ ظلت على مدى ثلاثة وأربعين عاماً هي عدد السنوات التي عاشتها بعده تضع كل يوم على قبره وردة حمراء ما أقامت إلى جوار القبر في مصر، فاذا ما اقتضت الظروف سفرها كلفت من يقوم بهذه المهمة نيابة عنها حتى اطلق عليها اسم «الوردة الحمراء» لتدفن بعد مماتها الى جواره بناء على وصيتها التي طلبت فيها عدم الاكثار من نثر الورود على قبرها بعد أن وضعت هي في حياتها ما يقرب من ستة عشر ألف وردة حمراء على قبر زوجها تعبيراً عن وفاء نادر لحب عاش وترعرع في ظل الموت أكثر مما عاش في ظل الحياة.

باقة من الزهور أيضاً ساهمت في انقاذ أروع مناظر بريطانيا الطبيعية، ذلك هو وادي التايمز الذي يلوح للعيان عند تل ريتشموند بلندن والذي يعد من أجمل المناظر الطبيعية التي خلدتها ريشة أشهر الرسامين الرومانسيين البريطانيين «تيرنر» في لوحته الشهيرة «تل ريتشموند» التي بلغت قيمتها حوالي عشرين مليون جنيه استرليني، كما فعل ذلك العديد من مشاهير الرسامين.

وهو المنظر الذي لم يتغير منذ ما يزيد على اربعمئة عام وتساوي قيمته ما لا يقل عن مئة مليون جنيه استرليني، وطالما كان موضع تهديد من قبل المتحمسين لتوفير المزيد من المساكن في هذا الحي المطل على النهر. فقد وافق مجلس ريتشموند وهو السلطة المحلية الواعية بيئياً على تأجيره لجمعية خيرية تدعى بيترشام تراست لمدة مئة وخمسة وعشرين عاماً وذلك مقابل تقديم باقة من الزهور البرية يوم القديس بطرس.

وستضمن هذه الجمعية الحفاظ على ذلك المنظر الذي يعد واحداً من روائع الطبيعة. أما تقديم باقة من الزهور بدلاً من المال فهي عادة عريقة بدأت في القرن الثاني عشر إذ تمثل الباقة هدية لا تضاهى بالمال تدفع كإيجار مقابل استخدام الأرض.

وقد عرفت كثير من الحدائق والمتنزهات العامة بعروضها الجميلة للنباتات المزهرة، فقد زينت حدائق فاتحي الأندلس المسلمين في جنوبي اسبانيا (كتلك المحيطة بقصر الحمراء في غرناطة) بأشجار الآس والحمضيات والأعشاب العطرية بشكل جميل جدا، وتتميز حدائق «فيلادي ايست» المائية في تيفولي الايطالية بنباتات الفاوانيا، وتعتبر هذه الحديقة مثالاً للحدائق الايطالية فائقة الجمال في عصر النهضة الاوروبية، وتمتاز حدائق الموغال في الهند بمساكب النباتات المزهرة الواقعة بين المسطحات الخضراء المتألقة على جوانب البحيرة، ويحتوي متنزه البوابة الذهبية في مدينة سان فرانسيسكو الاميركية على اكبر مجموعة من النباتات الوردية، وتعرف حدائق ولاية ميسوري النباتية في مدينة سانت لويس بزنابقها المائية.

وعودة إلى الشرق العربي حيث تبارى مطربوه في التغني بالورد فكانت أغنيات: الورد جميل، يا بدع الورد، يا ورد من يشتريك، يا زهرة في Flower Shopخيالي، يا وردة الحب الصافي، وردك يا زارع الورد .. وغيرها من الاغاني التي شممنا فيها رائحة الورود ورأينا منظرها البهيج.

كما ألهمت الورود شعراء العربية في مختلف العصور الأدبية فأبدعوا في وصفها ووظفوها في قصائدهم خير توظيف، ولا أدل على ذلك من هذه المقابلة الجميلة في هذين البيتين الرائعين لشاعر الامارات وأديبها المبدع حمد بن خليفة بو شهاب الذي يقول:

أتحملُ عينُك السيفَ الصقيلا وخدكِ يحملُ الوردَ الجميلا ولا يحتارُ عقلي بين سيفٍ يُميتُ ووردةٍ تُحيي القتيلا؟!

وبعد أن اتفقنا على جمال الورد وروعته بقي أن نختلف مع الشاعر الفرنسي بودلير في قوله إن هناك أزهاراً للشر جعل منها عنواناً لقصائده المئة التي قُدم بسببها للمحاكمة رغم تتويجها له رائداً للحركة الرمزية في العصر الحديث.

أعزائي عشاق الجمال.

صباح الورد