السبت، 30 ديسمبر 2017

شجرة عيد الميلاد

شجرة عيد الميلاد
نحن الذين نحضر شجرة عيد الميلاد و كل عام تأتى الشجرة من مزارع فوق جبال الدنمارك والنرويج فى حاويات من هولندا عابرة للبحار والمحيطات .
كل عام وفى شهر سبتمبر نذهب أنا وأخى إلى البنك لندفع ثمن الشجر -مائة وخمسون شجرة- ذات أطوال وأحجام مختلفة وتسمى الشجرة الأصلية للكريسماس بنوردمينيا «NORDMAN».


هذه الشجرة الذى تشبه أشجار السرو ولكنها ذات كثافة كبيرة تشبه السيدة الممتلئة بفروعها وسنونها المدببة كالشوك وينبعث منها رائحة جميلة تشبه صحوة الحشائش بعد المطر. هذا العام انتظرنا الشجرة أن تأتى وحل ديسمبر ببرده و سحبه وعاصفته ولم يفرج عن الشجر فى الجمارك وأنتظر أخى أياماً فى بورسعيد لقدوم موظفى وزارة الزراعة وموظفى الحجر الزراعى للإفراج عن شحنة الشجر ولكنهم اعلنوا «أنه لن يتم الإفراج عن الشجر هذا العام لأنه لم يتم تبخيره فى موطنه الأصلى وأن الحاوية تحتوى على دودة غريبة تسمى دودة كليوباترا وأنها خطر على الزراعة والتربة فى مصر».

حزن أخى حازم وأنا كذلك، فهذا موسمنا فمهنة أخى الزهور ولديه محل كبير ويستورد العديد من النباتات وشجر البونزاى من الصين واليابان وهو الشجر المقزم والذى تتفنن فى إنتاجه هاتان الدولتان باستخدام الهندسة الوراثية كنت أساعده فى عمله و ذلك بمراسلة الشركات الاجنبية من كتابة رسائل الكترونية و ترجمة الوثائق و أحيانا يصطحبنى معه فى أوربا للترجمة له اثناء عقد الصفقات التجارية وكان يساعدنى بالمال ودعمى أنا وأبنائى بعدما تركت وظيفتى كمترجم فى شركة النشا والسكر بحلوان بعد توقف إنتاجها وذلك بعد ثورة يناير.

لم تكن رحلتنا لهولندا للتنزه أو الشراب أو الفرجة على عروض الاستربتيز فى حى الضوء الاحمر فى أمستردام أو رؤية الطواحين الإثرية أو أكل أفضل أنواع الاطعمة الطازجة أو تدخين الماريجونا بل الذهاب وراء الشجر فى الجبال العالية والذهاب لبورصة النباتات مع الفجر للحصول على افضل الاسعار .

قبيل عودتنا بالسيارة من بورسعيد توقفنا عند مطعم للأسماك وكانت الأسماك طازجة وكأنها خارجة تواً من البحر ورغم طعامتها لم يكن لدينا شهية كبيرة كما اعتدنا دائماً فى زياراتنا السابقة وتذكرنا شبرا التى تربينا فيها وخاصة وقت الكريسماس حيث كانت أشجار أعياد الميلاد تملأ المحال وزينتها تلمع وتتلألأ تحت أضواء النيون ويملأ آذان الناس والمارة صوت فيروز وهى تغنى (ليلة عيد .. ليلة عيد) وهى ترجمة للأغنية الغربية (جنجل بلز .. جنجل بلز). النسوة والأطفال والشباب يملأون شارع شوكلانى وشارع خلوصى وشارع شبرا والمحلات تتنافس لعرض منتجاتها من الملابس لقاطنيها من المسحيين والمسلمين الذين سيحتفلون معاً بعيد الميلاد المجيد ومحلات الحلوى والأطعمة والفواكه والأسماك تستعد لهذا الحدث الجليل (ميلاد السيد المسيح) وبداية العام الجديد.

تذكرت كيف كانت تصر أمى على أن تشترى لنا ملابس جديدة احتفالاً بهذا اليوم وأن تعد لنا وجبة عشاء فاخرة وتخبز كيكة إسفنجية بالموز والفروالة واللارينج لجارتنا أم جورج وأبنها و هو أيضا صديقى فى المدرسة فقد كانت شقتهم مرتعاً لنا أنا وعائلتى وخاصة فى الإجازات أو عندما تذهب أمى لزيارة جدى فى الجيزة، كنا نلعب معاً فى الشرفة والتى تزينها صور للسيد المسيح والسيدة العذراء وكنت أسأله عن عن هؤلاء فيجيبنى هذا هو منقذنا وهذه هى المقدسة.

قلت لأخى وهو يأكل بعدم اكتراث وبطء: لا تحزن إن شاء الله تتعوض العام القادم وسنكتب لهم فى هولندا ليعوضونا خسارتنا المادية وكيف أن إهمالهم فى التبخير منع شحنة الشجر من الوصول إلى القاهرة وتوزيعها على العملاء وخاصة الأجانب الذين يقطنون فى المعادى ويحتفلون بعيد الميلاد و يدفعون فيها مبالغ باهظة للحصول عليها ، فرد أخي: ليس مهماً الخسارة المادية فشجرة عيد الميلاد بالنسبة لى ليست ربحاً فقط فهى حياة جديدة وسنة جديدة.. أنا أتفائل بوجودها.. فهى تأتى لى من الجبال البعيدة.. وارتوت بماء نقى وازدهرت بين الطين والثلج.. وقبل أن يسعد بها زبائنى فأنا أسعد بها قبلهم ثم كاد يبكى من التأثر.

كانت أغنية (حبوا بعضن كرهوا بعضن ) تدار فى قاعة المطعم. تذكرت على الفور أغنتيها (ليلة عيد.. ليلة عيد.. الليلة ليلة عيد).

طرأت فى رأسى فكرة فقلت له: لماذا لا نجلب أشجار عيد ميلاد بلاستيكية والتى أعتدنا أن نضعها فى بيتنا ونحن أطفال ويساعدنا جورج فى تزيينها ومن الممكن أن يسعد بها زبائننا أو نبيع أشجار السرو المصرى قلتها بشجاعة وكأننى حصلت على الفكرة الكنز.. ولكنه رد : لا أحب الأشجار البلاستيكية فهى خاويه من الحياة ثم سألنى هل يجود عيد ميلاد بدون شجرة حقيقية. وبرغم أن أخى لم يكن دارساً للفلسفة أو متعمقاً فى فكرة الدين وعودة الروح بوجود شجرة عيد الميلاد فإنه يؤمن بما يفعله ومخلصً فى عمله كرجل زهور ونباتات فهو التاجر الفطرى الذى علمته الحياه والسفر الإحتكاك بعالم الغرب وأوروبا وأهتمامهم بالزهور وأسواق النباتات وتاريخ العالم الأخضر، هو لم يدرس الرومانسية فى الأدب والشعر مثلى ولا يعرف الشاعر الانجليزى وليم وردزورث ولا جوته ولا شيلر فى الموسيقى ولا تأثير الثورة الفرنسية فى الاهتمام بالطبيعة ولا الانسان الريفى البسيط ولكنه كان يفهم مهنته وروحه التواقة بفكرة العالم النقى والطاهر الذى تمثله الطبيعة بجبالها ونباتاتها وحتى انعكاسها على الطبيعة الإنسانية السمحة.

الطيور والسحب تسبح وتموج فى الفضاء وتشكل أسرابا وخيالات غريبة وعلى طول الطريق من بورسعيد للقاهرة كان أخى ينظر للأشجار الممتدة على جانبى الطريق تلك الأشجار الطويلة والقديمة والثابتة فى الأرض ربما تمتد جذورها فى الأرض منذ أن فكر الخديوى إسماعيل فى حفر قناة السويس فخلقت مدناً جديدة على طول هذه القناة يملؤها البشر والحيوان .

سألته: ماذا ستفعل.؟. لم يرد.. ومن عادته أنه لا يرد.. وفى رحلاتى معه كان دائماً صامتاً ففى هولندا التى ذهبنا لها سوياً يصمت ثم يتحمس ويأمرنى بالترجمة فقط للتجار الهولنديين ويطلب منى الكف عن الارتجال.

عندما دخلنا لشركته سألته : ماذا حدث ؟ قال: سنجلب شجرة عيد الميلاد هذا العام فرديت بدهشة أنت تخاطر لم يتبق غير أسبوعين وينتهى موسم الكريسماس ماذا سنفعل إن خسرنا و ليس لديك نقود كافية و ما معك فقط لجهاز ابنتك التى ستتزوج فى عضون شهور؟ قال ليس مهما الزواج الان و عندما نكسب من الشجر سأعوضها و اشترى لها افضل الاشياء ثم قال سأطلب شجراً عن طريق الشحن الجوى خمسين شجرة فقط. قلت له سيكلفك ذلك كثيراَ أضعاف أضعاف الشحن البحرى فرد بحماس: ليس مهماً.. المهم أن تأتى الشجرة وتزين متجرى فى المعادى ونفرح زبائنى وتلبى رغباتهم و نمير أهلينا بربحها ، وتضاء شجرة كبيرة ليلة رأس السنة.

سألت نفسى لماذا يصر أخى حازم على أن يجلب شجرة عيد الميلاد؟ . لماذا لا يكتفى فقط بالأشجار البلاستيكية؟ أو أشجار السرو التى تشبه أشجار الأرز التى تنمو على جبال لبنان.؟. لماذا كل هذا الحماس للعام الجديد بكل توقعاته الخاصة بوجود شجرة جميلة تخلق حياه ثانية تفاؤلاً بالعام الجديد؟، ولماذا يكًبد نفسه كل هذه الخسارة المرتبطة بالنفقات الخاصة بجلب الشجر جواً للعام الجديد؟.

تذكرت جورج جارنا وحماسته فى أن يشترى معى الكيرات الملونه والشرائط اللامعة ومجسمات صغيرة لتماثيل بابا نويل والتى كنا نضعها أعلى الشجرة وأيضاً العلب الفارغة التى كنا سنضع فيها الهدايا والتى سيجلبها بعضنا لبعض. جاهدت دموعى وتمنيت لأخى ولذكرى جورج- الذى مات ضحية انفجار قنبلة فى سوريا عندما ذهب هناك ليعمل مدرسا للغة الإنجليزية - عيد ميلاد سعيد وشجرة جديدة للعام الجديد.


بهاء عبد المجيد - الأهرام
إرسال تعليق