الجمعة، 1 ديسمبر 2017

مهرجان الزهور مستمر في دلهي منذ عصر المغول

مهرجان الزهور مستمر في دلهي منذ عصر المغول
أوقفه البريطانيون في 1942 ليعود في ستينيات القرن الماضي
                                                                  
مراوح يدوية ضخمة مصنوعة من أوراق النخيل ومُزَيَّنَة برَقَطات لامعة وزهور، راقصو فلكلور، موسيقيون يعزفون المزمار والشيناي مرتدين أثواباً موشاة بالألوان الزاهية، يقودون موكب الزهور الذي يعود إلى عصر المغول منذ 200 عام، يُعرف باسم «موكب باعة الزهور». كل هذه أشياء موجودة في شوارع العاصمة الهندية دلهي حالياً.



يحتفل المهرجان الثقافي المليء بالألوان، الممتد بطول 32 كيلومتراً بدءاً من عاصمة عصر المغول سابقاً شهان آباد المعروفة حالياً باسم تشاندني تشوك إلى مهرولي، بعودة الأمير في القرن التاسع عشر الذي تجاوز حكام الاستعمار البريطاني في الهند من منفاه.

وفي الهند الحديثة، يُعتبر المهرجان مظهراً للهند العلمانية، حيث يُبدي المسلمون والهندوس على السواء حماساً مماثلاً للاحتفال بهذه الاحتفالية السنوية.

بدأ مهرجان «موكب باعة الزهور»، في دلهي، بواسطة الملكة المغولية غير المعروفة كثيراً، ممتاز محل بيغوم، زوجة أكبر شاه الثاني في العام 1812.

تروي القصة أن أكبر ابن للملكة جهانكير تعرَّض للنفي من جانب البريطانيين بعد أن تجاوز الحدود مع المُقيم البريطاني أرشيبالد سيتون. كما أطلق الأمير الشاب النار على سيتون في الحصن الأحمر، لكنّه أخطأ هدفه، وقتل خفيره بدلاً منه.

نفى البريطانيون ميرزا جهانغير إلى الله آباد، وتعهدت الأميرة بإنشاء مشتل أزهار ذي أربعة أعمدة في ضريح رجل الدين المسلم خواجا بختيار كاكي في مهرولي إذا سُمِحَ لابنها بالعودة.

وعندما سُمِح لجهانغير أخيراً بالعودة، وتوليه العرش بجدارة، وَفَت الملكة بوعدها، وأنشأت مظلة زهور جميلة، أضاف إليها بائعو الزهور على نفقتهم الخاصة، مراوح يدوية مصنوعة من الزهور. وحُمِلَت في موكب إلى الضريح.

استمرت هذه الممارسة لسنوات حتى أوقفها البريطانيون في عام 1942، وهو العام الذي حظيت فيه حركة «اخرجوا من الهند» برعاية، ممن لا يقل عن أول رئيس وزراء الهند، في مقدمهم جواهر لال نهرو ومهاتما غاندي، وأُعِيد تنظيمها في ستينات القرن الماضي.

وتشير الروايات التاريخية إلى أن الاحتفالات نُظِّمَت على نطاق أوسع.

في معرض دام أسبوعاً، كان الإمبراطور وملكاته والأمير الملكي والأميرات والنبلاء يذهبون على ظهور الفيلة والمحفات المُزَيَّنَة بمنتهى الأناقة، وبرفقتهم سكان العاصمة في عصر المغول شهان آباد المعروفة حالياً باسم تشاندن يتشوك، إلى مهرولي كل عام لزيارة الضريح. وسار سكان المدينة أجمعون معهم. ونثر بائعو الزهور بتلات الزهور على الطريق كله. وقَدَّمَ أكبر شاه أيضاً غطاءً من الزهور إلى معبد يوغمايا المجاور. واستمر هذا التقليد منذ ذلك الحين.

وكتب المؤلف آر. في. سميث في كتابه (دلهي التي لا يعرفها أحد) ما يلي:

«انتقلت قلعة ظفر (آخر إمبراطور مغولي) – مثل والده – إلى مهرولي، حيث يصل موكب باعة الزهور إلى وجهته الزاهية. من شرفة ظفر محل، شاهد ظفر - والنرجيلة في يده - موكب مراوح اليد المصنوعة من الزهور يشق طريقه إلى ضريح قوطاب صاحب ولاحقاً إلى معبد يوغمايا المجاور. وبعد ذلك، تناول أصناف الطعام الرائعة التي أعدها الطهاة الملكيون».

كانت هناك أكشاك للتسوق، ومسابقات غوص في نهر يامونا، ومباريات لمصارعة الديوك، ومنافسات للطائرات الورقية، وأراجيح في بساتين المانغو. كان الزيت يُسَخَّن في مقالٍ ضخمة، وتُقَدَّم الأطعمة الحلوة والمالحة الحارة جداً إلى الناس؛ وكانت الأغاني تُغنى، وكانت الفتيات يؤدين الرقصات. كما كان الراقصون بالنار يؤدّون عروضهم في الشوارع أثناء الموكب، ويضيفون جاذبية روحانية للأحداث.

يحفل اسم مَعلم ظفر محل بالذكريات؛ لأن انعكاسه في ماء البحيرة المجاورة يُستخدم لجعله يبدو مثل جَهاز «سفينة». والآن، أصبحت البحيرة جافة، لكنّ جَهاز محل لا يزال يبدو تحفةً من الجمال الشاعري.

في حين أن الإمبراطورية انقضت منذ مدة طويلة، إلا أن هذا التراث التوفيقي بين الأديان لا يزال صامداً، وإن كان بشكل مقيد. تُعزف الموسيقى طوال الليل في ظفر محل، ويحلم أي شخص بالبقاء هناك طوال الليل من أجل سماع الموسيقى.

وتماماً مثلما صُمم لأول مرة، وتولى الإمبراطور المغولي رعايته، يكون رئيس وزراء الهند هو الراعي الرسمي للمهرجان هذه الأيام.

وقال سيد فريد الدين قطبي، عضو في رابطة «موكب باعة الزهور» والمنظم أيضاً للمهرجان في ضريح بختيار كاكي: «ربما هذا هو المهرجان الوحيد الذي يربط كلتا الطائفتين. نرى الكثير من المشاركين كل عام الذين يتجاوزون المعتقدات الدينية للاحتفال بهذا المهرجان دليلاً على التآلف. في ضريح المسلم، يتصدر الإخوة الهندوس الموكب لتقديم غطاء من الزهور طوله نحو 42 متراً، وفي المعبد، يتصدر الإخوة المسلمون الموكب لتقديم مراوح اليد المليئة بالزهور. هذه هي روح التسامح والوئام المجتمعي، ونحن نحاول سد الفجوة بين الطائفتين».

وقال آصف خان دهلفي، وهو أحد عشاق التاريخ، إنه كان هناك وقت عندما كان كل سكان تشاندني تشوك ومهرولي يتطلعون إلى الشتاء في انتظار «موكب باعة الزهور». وأضاف: «أعيش في مهرولي منذ أن كنت طفلاً. يبدأ الموكب بأُبَّهَة كبيرة. تنضم العائلات مع أطفالها إلى الاحتفال. وقد عزف الموسيقار العالمي الشهير بيسميلاخان على مزمار الشيناي هنا».

وقال غولشانتشاند، الذي ينضم إلى الاحتفال منذ أن كان عمره 13 سنة حتى الآن: «يعد المهرجان انعكاساً للكثيرين أمثالي، فعلى الرغم من أنني لا أستطيع سير المسافة كاملة بسبب تقدمي في العمر الآن، فإنني أجعل مشاركتي في الاحتفالية لزاماً عليّ، لكن مع مرور السنوات، فَقَدَت الاحتفالية زهوها الحقيقي. لقد اختفت النكهة الحقيقية للمهرجان، وأصبح مجرد شكليات. اعتاد هذا المهرجان أن يكون من بين أكبر المهرجانات في دلهي».

وقالت أوشاكومار، السكرتيرة العامة لرابطة «موكب باعة الزهور» المُنَظِّمَة للمهرجان: «إنه مهرجان شامل، ونحتاج إلى الاحتفال بهذا الشمول؛ لأن هذه هي قوة حضارتنا. ويتحقق ذلك فقط من خلال جعله حدثاً غير بيروقراطي ورَتِيب».

وبالتالي، إن ما بدأ على هيئة زيارة أم ملكة مسلمة إلى ضريح رجل دين مسلم أصبح على مر القرون مناسبة للاحتفال للمدينة بأسرها، متجاوزة الحواجز المجتمعية والطبقية.

الشرق الأوسط - نيودلهي: براكريتي غوبتا
الجمعة 01 ديسمبر 2017 م

                
إرسال تعليق