الخميس، 21 ديسمبر 2017

عزبة الأهالى مملكة الزهور فى مصر

عزبة الأهالى مملكة الزهور فى مصر
على بعد 25 كيلومتراً من القاهرة، وتحديداً فى مدينة القناطر الخيرية، تقع عيناك على مساحات شاسعة من الأراضى الزراعية تتدرج ألوانها بين الأحمر والأصفر والأبيض.. هنا عزبة «الأهالى»، أكبر تجمع لزراعة الزهور ونباتات الزينة فى مصر؛ حيث يقدر الأهالى المساحة المنزرعة بالزهور فيها بـ100 فدان مقسمة بينهم منذ تطبيق سياسات الإصلاح الزراعى عام 1960.




لا تحتاج إلا أن تخطو خطوات قليلة حتى تصبح جزءاً من ذلك المشهد الذى تكسوه الزهور بجميع أنواعها وألوانها. بين صفوف ممتدة من الورد البلدى يسير رجل ستينى بجلباب نال الطين من أطرافه، يدقق النظر فى أوراق الزهور ثم أعوادها، يتفحصها بحرص شديد ثم يخبر أحدهم بالعلاج المطلوب، وكأنه يلقنه درساً يجب ألا ينساه. يلقى عبدالنبى أمين، المهندس الزراعى بالمعاش أحد مزارعى الزهور بعزبة الأهالى، نظرة فاحصة على عود بين يديه، ويقول: «الغلطة فى الورد ممكن تضيَّع المحصول كله.. اللى يشتغل فيه لازم يبقى مفتَّح وفاهم»، لا يكتفى عبدالنبى بتلك النصيحة وحدها، إنما يمدك بكل ما يعرفه عن زراعة الزهور فى إسهاب لا يتوقف إلا مع رشفة من «شاى الغيط» الذى بين يديه.

يعتبر عبدالنبى نفسه «مؤرخ» عزبة الأهالى، ويتلو عليك قصص أهلها وتاريخ كل زهرة: متى دخلت العزبة، وأول من حاول زراعتها هنا، ويقول إن زمام أراضى عزبة الأهالى 864 فدانا، كانت 500 فدان منها تابعة لأوقاف دار الكتب، لكن الدولة طبقت عليها قانون الإصلاح الزراعى، ووزعتها على الفلاحين عام 1960. ويضيف أن فلاحى العزبة ظلوا ملتزمين بتطبيق الدورة الزارعية التى كانت تشترط زراعة ثلث مساحة الأرض بمحصول القطن حتى 1970 عندما ألغيت. بعدها -والكلام لعبدالنبى- بدأنا فى البحث عن محصول أكثر ربحاً، وجرَّبنا زراعة الزهور التى حققت للفلاحين أرباحاً جيدة، فتحول معظم فلاحى القرية لزراعة الزهور.

لا ينسى عبدالنبى فترة الثمانينات التى شهدت ارتفاع معدلات البطالة بين شباب العزبة الأهالى كغيرهم من شباب مصر، قائلاً: حينها أدركت أن أبنائى لن يجدوا فرصة عمل وأنه لا مفر من العودة للأرض، منذ ذلك اليوم ونحن نشاهد فلاحين من خريجى آداب وتجارة وفنون جميلة، يقولها بابتسامة ساخرة سرعان ما تتلاشى لصالح حزن عمَّ ملامح وجهه.

فى واحدة من كبريات مزارع العزبة ترى جمال عبدالله جبر، الذى يحاول، بصبر شديد، إصلاح آلة تهذيب أعواد الزهور حتى يستخدمها «الأنفار» الذين سيأتون إلى أرضه غداً لجمع المحصول. عادته أن يتابع كل صغيرة وكبيرة فى أرضه رغم أن له ابناً صار مهندساً زراعياً يهتم بالأرض منذ سنوات، لكنه -الحاج جمال كما ينادونه- مصمم على استكمال مشوار بدأه عام 1978، وكان أول من زرع الزهور فى عزبة الأهالى.

بتواضع وترحيب شديدين يدعوك إلى كوب الشاى فى غرفة صغيرة على طرف مزرعته، وعلى «دكة» خشبية، ما زالت صامدة، يجلس جامعاً ساقيه أسفل جسده، ويقول إنه بدأ زراعة الزهور فى العزبة منذ 34 عاماً: «حينها زرعت قيراطاً واحداً ثم قيراطين، وعندما شعرت بالمزيد من الثقة زرعت فداناً بالزهور»، مضيفا: «علَّمت نفسى بنفسى.. وبدأت بالورد البلدى والدالية والمنطور». يستكمل الحاج جمال سرد مشواره مع الزهور، مشيراً إلى أن الفكرة انتقلت لباقى أهالى العزبة: «لما شافونى لابس جلابية كويسة، قالوا: طيب ما نعمل زيه.. وقتها الموظفين سابوا شغلهم وزرعوا ورد».

لكن طموح الحاج جمال وعزبة الأهالى لم يتوقف عند حدود «الجلابية الكويسة» و«الورد البلدى»؛ حيث قرروا أن يطوروا من زراعتهم باستقدام بذور جديدة من هولندا حتى يصبحوا على قدم المساواة مع الشركات الكبرى.. حاولوا زراعة البذور وفشلوا أكثر من مرة لكنهم نجحوا فى نهاية الأمر.

عزبة الأهالى هى ملتقى المزارعين والموردين وأصحاب محلات الورد؛ لذا أطلقوا عليها اسم «بورصة الزهور».. ياسر محمد، هو أحد الموردين الذين يأتون للعزبة للحصول على احتياجاتهم من الزهور ونباتات الزينة، يقول: إن تسمية «بورصة الزهور» جاءت من قدرة «الأهالى» على تحديد سعر الزهور فى السوق؛ لأن إنتاجها من الزهور حالياً يفوق جميع الشركات الكبرى، كما أنها طوَّرت نفسها وبدأت فى زراعة أنواع جديدة من الزهور. ويرى، من واقع خبرته فى المجال، أن المصريين «شعب غاوى ورد»، بدليل «الكميات الرهيبة» التى يشترونها على مدار العام وفى أعياد الفالنتاين والحب والأم ورأس السنة وشم النسيم، وجميع الأعياد القبطية؛ حيث يقبلون بشكل كبير على الورد الأحمر من كل الأنواع ثم الورد الأبيض.

ويعتقد ياسر أن شغف المصريين بالورد يصل أحيانا إلى حد البذخ؛ حيث من الممكن أن ينفق البعض أكثر من 50 ألف جنيه فقط على تزيين فرح ابنته بالزهور.

وقد يتساءل البعض: إذا كان لدينا كل هذا الإنتاج من الزهور فلماذا لم يعد لدينا زهور ذات رائحة؟ الأسباب بسيطة، يشرحها كارم عيد، 34 سنة، فى ثلاث كلمات: إنها «مسألة عرض وطلب»، مضيفاً: قديماً كنا نزرع زهوراً ذات رائحة، لكن المحلات والموردين أحجموا عن شرائها لأنها لا تحتفظ بجمالها أكثر من ثلاثة أيام فى المحل بعدها لا تصلح للبيع؛ لذا أصبحنا نزرع الزهور بلا رائحة التى يقبل عليها الموردون ويمكنهم عرضها بالمحلات لعشرين يوما.

«كارم» من شباب العزبة الذين بدأوا تعلم زراعة الزهور منذ سن مبكرة جداً؛ لذا صارت علاقته بالزهور طقساً يومياً يتعامل فيه مع زهوره كالأبناء. يشير إلى زهرة جميلة شديدة الرقة داخل إحدى «الصوب»، ويقول: هذه زهرة «الليام» أتعامل معها مثل ابنى.. حساسة جدا.. عندما تأتى بذورها من هولندا أجرى بسرعة أنقلها للثلاجة لأنها إذا تعرضت للحرارة ستزهر خلال ساعات. يكمل كارم حديثه عن أشجار الزينة «ثروته الحقيقية» كما يسميها، ويرفع يديه فوق رأسه واصفاً شجرة «الزامية»، ويقول: «بسم الله ما شاء الله بقت دلوقتى طولى.. وورقها زى ريش النعام».

الإنتاج المتميز لعزبة الأهالى جعلها تنجح فى تصدير إنتاجها إلى السعودية وقطر وعُمان وليبيا بينما يزيد الطلب الخارجى على زهورها فى حالات تعرض مزارع الزهور الأوروبية لموجات مفاجئة من البرد القارس. ورغم كل ذلك فإن الحكومة المصرية لم تقدم لعزبة الأهالى أى مساعدات أو حتى نصائح زراعية باعتبارها أهم منتج ومصدر للزهور فى مصر.

يمر مصطفى جمال بين «الصوب» التى غطت معظم أرضه سعيداً بما يعتبره إنجازاً حققته عزبة الأهالى دون مساعدة من أحد، حتى إن إنتاج عزبة الأهالى لفت انتباه خبراء هولنديين زاروا العزبة عام 2010 بهدف تحويلها إلى «بورصة زهور» كمثيلتها فى هولندا.

ويقول مصطفى: «لم تقدم لنا وزارة الزراعة أو أى جهة رسمية مساعدات مادية لنحقق ما وصلنا إليه.. حتى النصيحة لا تقدمها لنا».

لكن سعادة مصطفى تختفى سريعا عندما يمسك بين يديه أوراق زهوره شبه المحترقة، ويقول إن مرض «التريبس» لم يرحم الزهور هذا العام وكان أكثر شراسة من المعتاد، ويضيف: «دمر نحو نصف محصول العزبة واستخدمنا معه 3 مبيدات دون أى نتيجة».

لا يستطيع جمال أن يفهم موقف الحكومة المصرية من أكبر تجمع لمزارعى الزهور، فهى، على حد تعبيره، لا ترى زراعة الزهور أمرا مهما، ولا تقدم للفلاحين السماد وتتركهم للسوق السوداء، ولا تراقب سوق الأدوية وتتركهم فريسة لأدوية مغشوشة، ثم تدعم مصدرى الزهور وتمنحهم حافزا ماديا. ويتساءل: «كيف يحصل المصدر على دعم الدولة بينما لا يحصل الفلاح على أى شىء؟!».

يحاول المزارعون هنا التخلص من سيطرة الوسطاء على السوق. أحمد عبدالحليم كان أحد هؤلاء الذين حاولوا تصدير إنتاجه من الزهور للخارج لكن البيروقراطية حتى الآن نجحت فى إفشال محاولاته من خلال عدد لا ينتهى من التصاريح والموافقات وتأخير رحلات الطيران، مما أدى فى النهاية إلى إفساد زهوره قبل أن تخرج من قرية البضائع بمطار القاهرة. يشكو أيضا عبدالحليم من عدم تمكن صغار مزارعى الزهور من الوجود فى معرض القاهرة الدولى للزهور بسبب ارتفاع قيمة إيجار مساحة العرض التى تصل إلى ألفى جنيه للمتر، وبالتالى لا تظهر خلال المعرض إلا الشركات الكبيرة فقط.


المصدر : كتب: محمد على – الوطن


إرسال تعليق