الاثنين، 1 فبراير، 2010

الاستثمار في أزهار القطف السورية

الاستثمار في أزهار القطف السورية 
سلسلة ميزاتنا النسبية المهدورة تطول.. والفرص الضائعة عنوان ارتباك تنموي بريق الاستثمار في أزهار القطف السورية يخبو في زحام البحث عن زراعات الأمن الغذائي


يُقدر السوق العالمي لأزهار القطف بعشرات البلايين من الدولارات، وتدر زراعته وتجارته على العديد من الدول التي توليه أهمية خاصة، أرباحاً طائلة، نتيجة لتعطش الأسواق الخارجية وعلى رأسها الأوروبية لمنتجاته ويكثر فيها الطلب، وبالتالي لزيادة العرض وتنويعه يتم الاستيراد من دول باتت تضعه في قائمة منتجاتها الزراعية القابلة للتصدير والمساهمة في تدخيل القطع الأجنبي وتشغيل اليد العاملة.

ومحلياً رغم تنوع مناخنا وتضاريسنا الذي يساهم في ازدهار هكذا زراعة، إلا أننا اعتبرناها خارج قائمات أولوياتنا الاقتصادية، وأغفلنا أهميتها في الوقت الذي صحت فيه دول الجوار وراحت توسع وتطور منتجاتها وتصدر وتنافس حتى في عاصمة الزهور (هولندا).

المعادلة تقول ببساطة: إن هناك أطرافاً أساسية هي : المزارعون المنتجون والتجار (الوسطاء) والمستهلكون والمقصود بهم (الباعة) الذين تنتشر محالهم في مختلف المحافظات، ويتمركز في دمشق النسبة الأكبر منهم.

والسؤال هنا : هل الاختلال في أطراف المعادلة لدينا، هو الذي يؤطر هذه الزراعة ويساهم في تراجعها، ويعوق تجارتها وفتحها لأسواق خارجية، ويمنع تطورها؟.

تراجع حاد
يقول المهندس الزراعي سامر كعكري- الخبير في مجال زهور القطف إن زراعة زهور القطف بدأت لدينا في أواخر السبعينيات وأوائل الثمانينيات، واشتهرت بها منطقة الزبداني وحيث كانت تضم آنذاك أكثر من 1200 بيتاً بلاستيكياً تزرع فيها هذه الأزهار، والآن تراجع العدد بشكل كبير، ولا يتجاوز عددها 25 بيتاً بلاستيكياً. كما أنها انتشرت في مناطق أخرى مثل (الدروشة) بريف دمشق، والسويداء والساحل السوري.

ويعزو سبب التراجع إلى فشل التسويق وتذبذب الأسعار لعدم وجود جهة راعية لهذا القطاع، وعدم اهتمام الحكومة به، ففي تلك الفترة تم اعتبار الاهتمام بزراعة الزهور كماليات لوجود زراعات ذات أولوية أكثر تتعلق بالأمن الغذائي (قمح، شعير، أعلاف...).

الورد سلعة رائجة
بالمقابل يرى غازي بكور -خبير اقتصادي- أن للورد أهمية اقتصادية فهو سلعة مطلوبة في الكثير من المناسبات الاجتماعية على اختلافها من الأفراح إلى الأحزان، وافتتاح المعارض والجلسات والمؤتمرات، وهي قد تكون أحياناً أقل تكاليفاً من سلع أخرى إذا تم تقديمها كهدايا أو للتواصل الاجتماعي والإنساني.

ويضيف قائلاً: نظراً لاتساع مجال تداولها فإنها أصبحت سلعة رائجة ومطلوبة في كل الفصول، وسعرها يخضع لقانون العرض والطلب حيث يرتفع ثمنها في مناسبات معينة، ولتوفير هذه السلعة توسعت زراعتها في دول كثيرة وأقيمت لها المشاتل والبيوت البلاستيكية، ولها أيضاً بورصات متخصصة لتسويقها داخلياً وخارجياً في الكثير من البلدان، وتدر دخلاً مادياً لهذه البلدان التي تصدر الورود والشتول وأمهاتها إلى الخارج، وبالتالي زراعة الورد وتسويقه أصبحت تجارة مربحة.

غرام زيت بمثله ذهب
إلى جانب أزهار القطف هناك ورود اشتهرت بها سورية ومنها الوردة الشامية التي كانت تزرع في كل منطقة من القطر، ولكن زراعتها بدأت تتراجع وتنحسر على الرغم من أهميتها الاقتصادية في إمكانية تصدير منتجاتها من الزيت العطري الذي يستخدم في الصناعات التجميلية والدوائية. ويوضح محمد الغبرا -تاجر عطور- أن سعر الغرام من الزيت العطري للوردة الشامية يساوي سعر غرام الذهب الخالص، ويعادل سعر 1 كغ من زيت هذه الوردة ما بين 10-12 ألف دولار، وأن كل عشرة أطنان من الوردة الشامية تنتج 1 كغ من زيتها.
ويؤكد تميز الوردة الشامية من خلال رقتها وجمالها وحساسيتها ورائحتها، وأهميتها الاقتصادية تكمن في استخدامها بمجالات طبية وعطرية وتزيينية.

السيرة الذاتية
إن زراعة الورد موغلة في القدم ويعود تاريخها إلى آلاف السنين كما دلت الحفريات على وجودها منذ خمسة وثلاثين مليون سنة، وقد بدأت زراعتها في الصين منذ خمسة آلاف سنة، وعثر عليه في المقابر المصرية، وللورد مئة وخمسون نوعاً منتشرة في العالم، وما يدلل على أهميتها تاريخياً أنها استخدمت خلال القرن السادس عشر لمقايضة الذهب بها نتيجة لغلائها، وازدهرت عقب ذلك في هولندا التي كانت تصدر الورود في سفن في عصر النهضة، واستمر ازدهار هذه الزراعة لديها حتى الآن، فمنتجاتها وبورصتها هي الأشهر على صعيد زراعة وتجارة الزهور، وتمتلك كبرى شركات الإنتاج للشتلات، وعند تصديرها تحظر زراعة الشتلة أكثر من مرة دون دفع الحقوق للشركة صاحبة الملكية.

احتكار
ونعود إلى المهندس كعكري الذي يؤكد أن واقع زراعة الزهور تراجع في سورية للفشل في التسويق بالدرجة الأولى، ولأن التسويق سيطر عليه تاجران أو ثلاثة من تجار الجملة الذين كانوا يتحكمون بالأسعار، ولم يستطيعوا فتح أسواق خارجية، الأمر الذي انعكس على أسعار المنتج وتدهوره بالنسبة للمزارع وللمستهلكين (بائعي الزهور)، فتجار الجملة حسب قوله (أكلوا البيضة والتقشيرة) وحققوا ثروات كبيرة لأنهم فرضوا أسعار أقل من التكلفة بسبب غياب آلية تسويق وتسعير واضحة، هذه المسألة أدت عملياً لنتيجة سلبية هي أن المنتج لم يعد يهتم بإنتاجه (أصبح لدينا أزهار غير منافسة بالأسواق الخارجية) وبالتالي تراكم الإنتاج بالأسواق المحلية، وهبط سعره مما أدى لعزوف الكثير من المنتجين عن الاستمرار بإنتاج الورود.

إهمال الحكومة
في المنحى ذاته يضيف أسباباً أخرى لعدم استطاعة هذه المنتجات الوصول إلى الأسواق الخارجية وهي: عدم تقديم الحكومة لأية مساعدة لهذا القطاع وخاصة في مسألة النقل، حيث قام عدد من المعنيين بالتقدم بطلب إلى وزارة النقل لتخصيص حجم من أسطول الطيران السوري لنقل الأزهار (لم يتم الموافقة عليه).

وحسب أحد المهتمين بهذا القطاع، فإن مدير الاقتصاد الزراعي بوزارة الزراعة تقدم بطلب للجهات المعنية لتأمين النقل الخارجي عبر الطيران، ولم يلقَ أذناً صاغية من هذه الجهات، وعدم التجاوب هذا هو أحد أسباب تراجع تجربة شركات القطاع المشترك التي تهتم بأزهار القطف. كما يرى كعكري أنه لابد من تخفيف الإجراءات الجمركية التي تستغرق وقتاً والزهور عمرها محدود، ولحل هذه الإشكالية لابد من توفير بنية تحتية من قبل الحكومة في الحرم الجمركي والمنافذ الحدودية، أو السماح للقطاع الخاص للاضطلاع بهذا الدور.

تجارب سبقتنا
في مصر التي اتجهت إلى دخول السوق العالمي من خلال تنمية زراعة زهور القطف والاتجاه للتصدير، وتنظيم معرض سنوي في كانون الأول، ورغم أنها بدأت في التصدير عام 2000 إلا أن صادراتها تتزايد عاماً بعد آخر، وتقوم بالتصدير إلى 18 دولة في العالم وتصدر يومياً خلال موسم التصدير الذي يبدأ من أيار حتى تشرين الأول في حدود 50 إلى 60 طناً يومياً.

وفي الأردن حدث انتقال نوعي من الاعتماد 80% من حاجته من الأزهار على أسواق أوروبية خارجية إلى الاكتفاء والتصدير، وذلك عقب منع استيراد الزهور بالثمانينيات ضمن قرار حكومي للتقليل من خروج العملة الصعبة، ويبلغ إنتاجها الآن 50 مليون زهرة سنوياً، و25 % من منتجاتها يغزو الأسواق الأوروبية.

وحتى في السعودية بمنطقة تبوك تنتج أكثر من 18 مليون زهرة، ويصدر ما نسبته 20% من الإنتاج السنوي إلى ألمانيا وهولندا وجمهورية التشيك والمملكة المتحدة وقبرص ولبنان ودول الخليج إضافة إلى دول في آسيا وأمريكا اللاتينية.

أما لدينا في سورية فلا توجد إحصاءات رسمية، ويقدر أحد المتعاملين أن حجم ما يباع في سوق دمشق يقدر قيمةً بـ 200 مليون ل.س سنوياً.

أرقام التصدير
تبين إحصائية تصدير أزهار القطف، ومصدرها تقارير التجارة الخارجية ما يلي: أنه في عام 2003 تم تصدير 44 طناً بقيمة 2.2 مليون ل.س وفي عام 2004 ارتفع لـ 65 طناً بقيمة 2.6 مليون ل.س وانخفض في عام 2005 إلى 19 طناً بقيمة 2.2 مليون ل.س، أما في عام 2006 فكان 19 طناً بقيمة 2.2 مليون ل.س، لتعاود القيمة الانخفاض في 2007 حيث تم تصدير 28 طناً بقيمة 1.3 مليون ل.س.

ميزاتنا المهملة
نسأل الخبير في مجال أزهار القطف المهندس سامر كعكري عن الميزات التي تتمتع بها سورية وتؤهلها لتكون بلداً مصدراً للأزهار بشكل أكبر وأكثر مردوداً، ويجيب بأن من أهم الميزات: الظروف الجوية والتضاريس التي تمنح سورية إمكانية إنتاج أزهار القطف بتكاليف منخفضة، إذا ما قورنت بتكاليف الإنتاج الأوروبية، نتيجة انخفاض تكلفة التدفئة لدينا (في أوروبا الجو أكثر برودة ويحتاجون لتكاليف تدفئة أكثر بكثير من بلادنا)، وأيضاً انخفاض تكاليف التبريد مقارنة بإفريقيا ودول الخليج (لديهم الحرارة أكثر ارتفاعاً).

كما أن بلادنا تتمتع بتنوع تضاريسها (ساحل، جبل، داخل) وهذا يسمح بإنتاج أنواع كثيرة من أزهار القطف، والأهم من كل ذلك أن إنتاجنا قد يمتد على مدار العام (بين الساحل والجبل والداخل)، بينما في أوروبا فإن فترة إنتاجهم تنحصر بشهر أو شهرين، وبالتالي بإمكاننا أن نصدر لهم في الفترة التي لا ينتجون فيها.

إلى جانب الموقع الجغرافي المتميز لبلادنا فهي أقرب من أسواق التصريف في أوروبا، إلى جانب تواجدها على الشاطئ الشرقي للبحر المتوسط، ومن الميزات: أن اليد العاملة أرخص من دول أخرى وأكثر مهارة وتتمتع بالخبرة اللازمة لإنتاج كافة أنواع الورود.
وهذه الميزات يجب أن تجعل سورية من الدول المصدّرة أو الهامة على خارطة إنتاج الورود.

ونسأله رغم هذه الميزات، ماذا عن واقع أزهار القطف لدينا؟
ويجيب دون تردد: سيء للغاية مقارنة حتى بدول الجوار، فالأردن لديهم جمعية لمنتجي أزهار القطف تسعى للنهوض بهذا القطاع ولديهم بورصة تتداول أزهار القطف.

معوقات محلية
حول المعوقات يقول كعكري: إن من أسباب تراجع التصدير لدينا مسألتين: إنتاجية وتجارية، الإنتاجية نتيجة لتدهور الأسعار (ففي الإكثار هناك طرق تقليدية وهذا يؤدي لتدهور الصنف وعدم صلاحيته للتصدير)، إلى جانب المعوقات التجارية والتي تتعلق بمواصفات التعبئة والتغليف والالتزام بمواعيد تسليم المواد والتصريح عن الأنواع والأصناف بشكل مناسب.

وفي حال تم رفع جودة الإنتاج ونسبة التصدير سيؤدي ذلك إلى عدة فوائد وهي: تحقيق تدفق نقدي بالقطع الأجنبي، ويزيد الميزان التجاري، ويؤدي إلى رفع الناتج القومي، وتشغيل اليد العاملة.

ويعتبر تصدير أزهار القطف من المشاريع الهامة على المستويين الشخصي والقومي، فعلى المستوى الشخصي تحقق أزهار القطف لكل من المزارع والتاجر والمصدّر أرباحاً جيدة وتؤدي لتحسين دخل المزارع وبالتالي زيادة الاهتمام كماً ونوعاً وبالتالي حصول التاجر على بضاعة ذات جودة ومناسبة للتصدير بأسعار منافسة.

حل سحري
إزاء هذا الواقع نسأل الخبير كعكري عن الحلول التي من شأنها النهوض بواقع هذه الزراعة والانطلاق بها إلى المنافسة في الأسواق الخارجية؟ فيوضح بأن الحل السحري ينحصر من وجهة نظره بتنمية هذا القطاع، وإحداث ما يعرف ببورصة أزهار القطف أي (السوق المركزي لبيع هذه الأزهار) ويضم كافة المنتجين والمستهلكين (بائعي الورود)، وهذه البورصة ستؤمن فرصة التسويق المحلي والخارجي. ويضيف أن من أهم أهداف البورصة تحقيق السعر العادل ما بين سعر مبيع المنتج وسعر شراء المستهلك (بائع الوسيط) ومن هنا يتم إلغاء دور الوسطاء، وضمان تسويق أزهار القطف بأسعار مناسبة، وتحقيق أرباح دائمة ومجزية لكافة المنتجين والمزارعين، وبالوقت نفسه أسعار مقبولة للمستهلكين، وأيضاً تأمين المستلزمات الزراعية عالية المواصفات، والمشاركة في المعارض الخارجية التي ستؤمن فتح أسواق خارجية من خلال التعامل مع بورصات أسواق الأزهار في الخارج.

والبورصة المحلية في حال إنشائها ستتيح فرصة اتباع الأساليب العلمية والصحيحة في مجال الفرز والتوضيب، واعتماد البورصة على أساليب جديدة وحديثة في التسويق ولا سيما التسويق الالكتروني، فعملية التصدير تتطلب الالتزام بعقود تصديرية بأنواع وكميات محددة من أزهار القطف، والبورصة ستساهم في الالتزام بأي عقد تصديري مهما كانت مدته أو كميته أو نوعية أزهاره.

ونحن بدورنا نقول: رغم أهمية إعطاء الأولوية لزراعات الأمن الغذائي، إلا أنه لا ضير من الاهتمام بزراعات تفتح أمام منتجاتنا أبواب الأسواق الخارجية، وتحقق عائداً مجزياً من القطع الأجنبي، وتشغل الأيدي العاملة المحلية، وتؤسس لزراعة متميزة إنتاجاً وتصنيعاً وتجارة لوجود الركائز الأساسية والميزات الحقيقية...

فلماذا نهدر جزافاً رصيد ميزات زراعة ورود القطف لدينا، ونكتفي بالتحسر لتراجعها وبالصمت حيال احتكار وجشع عدد محدود من التجار؟، لماذا لا نؤسس ونولي أهمية للمنتجين والمستهلكين ونضبط إيقاع السوق الداخلي، ونتميز وننافس في الأسواق الخارجية، ما دامت ميزاتنا النسبية تؤهلنا بقوة لهكذا منافسة؟.

الكاتب: شام لايف- نجلاء بكرو

تقرير عن الزهور في سوريا




إرسال تعليق