الأربعاء، 30 ديسمبر، 2009

حتى الزهور لم تسلم من الغش

حتى الزهور لم تسلم من الغش 
حتى الزهور لم تسلم من الغش.. البعض يلوّنها ويرشها بالعطور
تجارة «الذوق الرفيع» بلا رقابة!
«يا ورد مين يشتريك.. وللحبيب يهديك؟!» ليس غريبا أن تتذكر هذا التساؤل في أغنية أسمهان الشهيرة وأنت تتجول بين محلات الزهور وشركات استيرادها، إذ على الرغم من أنه موسم بيع الورد فإن الأزمة المالية العالمية طالت نشاط بيعه كما طالت نشاطات أخرى، حتى إن أحد أصحاب محلات الورد قال شاكيا: الآن الزبون الذي كان يعتاد شراء بوكيهات الورد في كل المناسبات بـ 30 و40 دينارا أصبح يفضل شراء حلوى وشوكولاتة بـ 10 دنانير.

كما ان كبرى شركات استيراد الزهور من هولندا وتايلند ولبنان تحمل الشكوى ذاتها، فنسبة الاقبال «غير مرضية، سواء أكنا في موسم مثل بداية العام الجديد ام في أوقات العام العادية».

المشكلة ان اسعار الزهور لم تعرف طريقها للانخفاض بل ارتفعت لتعادل عدم الاقبال، ليس هذا فحسب، بل صار بعض الباعة يلجأون إلى طرق خادعة توهم الزبون ان للورد رائحة (بينما هم يرشونه بالعطر)، أو يمتاز بألوان غير معتادة (وهم يصبغونه بما يتراءى لهم من أصباغ)، ولأنها زهور، ولأنها تمثل عالم الرقة والجمال، ولأن المستهلك ــ في الغالب ــ لا يهتم كثيرا بما يدفعه.. يبدو أن الجهات المعنية بالرقابة لا تهتم هي الأخرى.

«القبس» جالت في محلات الزهور في السالمية وحولي والمطار الدولي والري ومناطق أخرى، تحدثنا مع الباعة والزبائن القلائل الذين صادفناهم ورصدنا آراءهم ونحن على أعتاب العام الجديد، وهو الذي أنعش محلات بيع الورود وزاد مبيعاتها بنسبة كبيرة تصل إلى 27.8% عما كانت عليه سابقا.

يقول سامي ذكي وهو مدير شركة كبرى لاستيراد وبيع الزهور والنباتات في منطقة الري: نستورد الزهور من ثلاث دول هي هولندا وتايلند ولبنان، لكن الاغلى سعرا والارفع جودة ازهار هولندا، تليها ازهار لبنان، ثم تايلند، ونوزع الاستيراد من هذه البلدان كي تتناسب الاسعار وظروف المستهلكين. واوضح ان ثمن عود البامبو الهولندي ديناران، اما التايلندي فقيمته دينار واحد فقط، واما الزهور ذات الرائحة فهي تستورد من لبنان فقط، لانها تزرع هناك بالخارج، وليس في صوب بلاستيكية، ولذلك لا نضطر لرش روائح عطرية على الورود كما تفعل بعض المحلات الصغيرة التي لا تهتم لسمعتها.

لدينا الغالي والرخيص، المعمر وغير المعمر، وذو الرائحة ومن غير رائحة، بل ولدينا البذور ايضا لمن يريد ان يزرع الزهور بنفسه في حديقته الخاصة.

زراعة الزهور
نسأله عن مساعدة الشركة للمستهلك ارشاديا اذا قرر الزراعة بنفسه، فيقول بانكليزيته الواضحة: بالتأكيد نساعده ونرشده الى غرس البذور في تربة معينة داخل اصيص صغير ثم عندما تبدأ في الانبات ينقلها الى تربة الحديقة، كما نرشده الى نوع السماد المفضل وطريقة الري وكل ذلك مجانا.

لمحنا ان سعر اصيص الورد الأحمر المسمى «فوربيه» يتراوح ما بين دينارين وثلاثة دنانير على الاكثر، بينما كان في احد محلات بيع الورود بالسالمية بخمسة دنانير، سألناه عن السبب في هذا التفاوت فقال: نحن شركة كبرى، نشتري بكميات ومع ذلك نبيع للمستهلك العادي بالقطاعي، ونحدد هامش ربح معقولا، وهذا كاف، اما المحلات الصغيرة فتشتري منا او من اي شركة منافسة وبكميات اصغر وترفع الاسعار كما يحلو لها.

الغش في الخضرة
لبيب عزيزية صاحب محل متميز بالسالمية، بدأ مهنة بيع الورد كهواية في اوائل التسعينات ثم احترفها بعد ان رآها مجدية يقول: قبل خمس سنوات كان المواطن والمقيم سواء في استهلاك الزهور، في كل مناسبة، الآن نعتمد على شراء المواطن اكثر وحتى المواطن صار يسعى الى تخفيض الاسعار، لم يعد كما كان يشتري بـ‍ 30 و40 و50 دينارا، ويخرج راضيا، الآن يقول له الفازة ب‍ـ 15 دينارا يقول لك: نزل شوي، ننسقها له يقول لك ابيها كبيرة ما يهم نوع الورد. لكن هذا الكلام بالطبع لا ينسحب على الكل، هكذا يؤكد عزيزية فهناك زبائن VIP ما يزالون يحترمون التقاليد.

بيع الزهور وشراؤها حسب المناسبات
وعن تلك التقاليد يقول: لكل مناسبة زهورها وألوانها.. فالزواج غير الخطوبة غير النجاح غير زيارة المريض، والاهداء لرجل غير الاهداء لامرأة غير الاهداء لفتاة، وهكذا. الألوان الخاصة بالرجال محدودة لا نضع فيها الاحمر او الوردي إلا اذا كان زوجا او حبيبا.. وغير ذلك نضع «الأوف وايت» والبرتقالي له، اما ألوان زهور الشباب فالأزرق والموف، ولو المناسبة عيد زواج فنكثر من الاحمر بالطبع، اما لو زيارة مريض فنبعد عن الاصفر، لانه لون المرض والغيرة.. والاهم ان نملأ الفازة بالورد ونشرح للزبون سعر كل نوعية حتى يدفع قيمة الفازة وهو راض.. ساعتها لا يطلب تنزيلات ولا يطلب ان يكبر الفازة لمجرد تضخيمها في عين من سيزوره، بل يقنع بالنوعية والسعر، ونحن نوضح له حقوقه، هذه هي التقاليد.

روائح
نسأله عن روائح الزهور فيقول: معظم الزهور هنا لا رائحة لها بسبب الكيماوي والتبريد مرة ومرتين من بلد المنشأ حتى تصل الينا باستثناء الزنبق والكازابلانكا فقط.. حتى القرنفل لا رائحة له. ويستطرد: هولندا تنتج كميات ضخمة ولا تراعي مسألة الرائحة هذه، لانها تأخذ وقتا وجهدا وفي النهاية الناس يهتمون بالمظهر اكثر.

صباغة الورد
باستثناء صباغة الورد باللون الأسود في العيد الوطني لا نقوم بصباغته او رشه في اي يوم.. هكذا اجابنا ابوعمر بائع في احد محلات حولي. ويكمل: لا توجد ازهار لونها اسود والزبون يطلب تشكيلات على شكل العلم الوطني ولا يمكن مزج الورد الطبيعي مع الورد الصناعي.. لذا نضطر الى صباغة بعض الزهور بالأسود.. وهذا ليس غشًّا لاحد. لكنه ضار بالصحة؟! يقول: ليس مؤكدا، فهي فترة بسيطة وبعدها يذبل المرشوش وغير المرشوش.

وكيف يخدع صاحب محل الزهور زبائنه اذاً؟
يقول: اكبر خدعة هي ان يملأ السلة بالخضرة بدلا من الورد، فيمكن ان يضع في سلة بـ10 دنانير ما قيمته 5 دنانير فقط، والباقي خضرة لا سعر لها، ولن يحاسبه احد. فالزبون لا يعرف سعر الورد ويشتري في صمت ويمضي في حال سبيله.

لا للأحمر
بالمصادفة، قابلنا آلاء، وقد جاءت تشتري بوكيه ورد لزميل عزيز في العمل بمناسبة عيد ميلاده قالت إنها تريده متوسط الحجم في حدود الـ 20 دينارا على ان لا يضع فيه البائع وردا احمر. سألناها لماذا؟ فقالت لان العلاقة بيننا لا تسمح بذلك، ولا اريده ان يفهمني خطأ. نسق لها احد العمال الهنود المختصين «بوكيه» احسن في تنسيقه مراعيا شرطها، فجاء كله باللون الابيض والبرتقالي واعواد تشبه عيدان البامبو الجاف ملفوفة حول بعضها البعض.

في المطار.. غلاء مبرر
إذا كان سعر البوكيه الذي اشترته آلاء بـ 20 دينارا، فهو يباع في محل صغير على يسار بوابة الدخول الرئيسية لصالة استقبال المطار بثلاثين.. هكذا وقفنا مندهشين من الاسعار ومن الاقبال على الشراء في الوقت نفسه.. ثلاثة منسقي زهور لا يكادون يهدأون، وعلى الاقل خمسة زبائن يقفون في انتظار دورهم على مدار الساعة، صحيح ان الزهور تبدو مختلفة وأكثر ندرة ونضارة، وصحيح ان مستقبل القادم الى البلاد لا يهمه السعر بل استبشار ضيفه بباقة الورد وفرحته بها وبمن اشتراها، لكن هل هذا مبرر لمضاعفة السعر او الاقتراب من المضاعفة؟

استقبال بالورود
أم كريم جاءت تستقبل زوجها وهما متزوجان منذ عامين فقط، واشترت له باقة رقيقة حملت وردة حمراء واحدة والاخيرات من الزنبق والابيض.. سألتها عن سعرها فقالت سبعة دنانير وكانت فرحة بها ومتعجلة لان الطائرة قد حطت قبل ربع الساعة.. اما د. خالد فقد اشترى بوكيه ضخما مثل حقيبة سفر وكان سعره 40 دينارا، وقال انه لرئيسه في العمل العائد من الاجازة السنوية وعلق على حجم البوكيه قائلا: لو كان بيدي لكنت اشتريت له المحل كله فهو انسان ذو خلق وصاحب فضل. قفلنا عائدين من المطار والتساؤل الاول ما زال مطروحا بقوة.. هل لانها ورود ولانها تجارة الذوق الرفيع فلا يراقبها احد، ام لانها سنة جديدة سعيدة على الجميع فلا داعي اذن للنكد؟!

باقة الجوري بـ 25 ديناراً
باقة الكريزانتم اضافة الى القرنفل والاستارجز يتراوح سعرها بين 8 و12 دينارا، وهي جاهزة للزبائن المتعجلين، اما الورد الجوري اضافة الى الاستارجز والسبيدر فسعرها 25 دينارا عندما تكون منسقة بشكل ابداعي ومغروسة في دورق ماء يعوم فيه ورد طبيعي ويطلق على سلة الورد الجاهز الربيعية وغالبا ما تؤخذ الى المستشفيات وتتكون من سبيدر وقرنفل، وجيسبوفيليا وهذه سعرها بين 7 ــ 10 دنانير.
اما الورد الصناعي المبهر فوجدنا ان سعره يتراوح بين 35 و60 دينارا. التوزيع في حولي.
تقف «اللوري» المبردة في موقفها المعتاد على الصف المقابل لمبنى محافظة حولي، يهبط منها الرجل المكلف بتوزيع الورد على المحلات، يخرج بضاعته من جوف اللوري إلى الرصيف.. يقترب أصحاب المحلات ويتلقون حصصهم من دون كثر كلام.. فالسعر هنا محدد ولا مجال فيه للمساومة.
 وقريبا سيستطيع المشتري الاطلاع عن طريق كاميرا صغيرة متصلة بالانترنت على عملية تنسيق الباقة التي اختارها وهو في مكتبه او بيته.

شاشات عرض لبيع الورود
بعض المحلات خاصة في منطقة السالمية بالقرب من دوار الجوازات اتخذت من البلازما وسيلة عرض لباقات زهورها.. فما ان يدخل المشتري المحل حتى يجلس على فوتيه مريح ويأتون له بالمشروب الذي يفضله ثم يبدأ العرض امامه على بلازما عملاقة ليختار او يعدل على المعروض وبعد ربع الساعة تكون الباقة بين يديه.

صاحب احد هذه المحلات قال انه يتواصل عبر الانترنت مع من يطلب باقة ورد بالهاتف، وقريبا سيستطيع المشتري الاطلاع عن طريق كاميرا صغيرة متصلة بالانترنت على عملية تنسيق الباقة التي اختارها وهو في مكتبه او بيته.. هكذا تكون الشفافية اذا.

الكاتب: علاء عبدالفتاح – القبس


إرسال تعليق