الجمعة، 1 أكتوبر 1999

الزهور فى الاقتصاد العالمى ومستقبل زراعة الزهور فى مصر (2)

 (نشرت هذه المقالة فى نشرة الزهور العربية العدد الثاني أكتوبر/تشرين أول 1999)

ماذا ننتج ومتى

أود أولا أن أشكر كل القراء الذين أرسلوا لنا مهنئين بهذه المجلة والحقيقة إننا لم نكن نتوقع حجم ردود الأفعال من كافة الدول العربية فمن الواضح تعطش العاملين فى مجال الزهور والنباتات لإصدارات عربية تغطى المواضيع التى تهمهم .
         
ونستطيع أن نعد كافة القراء الذين أرسلوا لنا بأننا سنكون عند حسن ظنهم وسنحاول تطبيق اقتراحاتهم القيمة التى أرسلوها لنا .

ونعود لاستكمال الموضوع الذى بدأناه العدد السابق وهو "الزهور فى الاقتصاد العالمى ومستقبل زراعة الزهور فى مصر " فقد تكلمنا عن حجم تجارة الزهور فى العالم وعن العقبات التى تعترض زراعة وتصدير الزهور والنباتات فى مصر .

وسنتكلم فى هذا العدد عن منتج الزهور وماذا عليه أن يفعل إذا قرر أن يصدر إنتاجه للخارج ..



قابلت منتجين كثيرين لديهم أفكارا مشوشة عن هذا الأمر فعادة ما يبدأ المنتج بالتفكير فى إنتاج زهورا لسماعه أنها مطلوبة بشدة فى الأسواق الخارجية أو لأن أسعارها غالية بالخارج ناسيا كل العوامل الأخرى التى يجب وضعها فى اعتباره كتكاليف إنتاجها أو وزنها (لحساب تكاليف شحنها) أو الخبرات الفنية اللازمة لإنتاجها .. الخ .

إن مجرد التفكير فى موضوع التصدير سيجعل المنتج يدخل فى منافسة مع كل المنتجين فى العالم لذا فمن المنطقى أن يفكر أول ما يفكر فيه المنتج هو ماذا يميزنى عن الآخرين ؟ ما هى العوامل التى يمكن أن تكون فى صالحى حين المقارنة بين منتج ومنتج؟

فالمنتج فى هولندا مثلا عندما فكر فى ذلك وجد أن ما يميزه هو وجود التقنية العالية والخبرات الفنية المتوافرة فى هولندا وقربه من البورصات العالمية لذا فقد ركز المنتج الهولندى فى السنوات الأخيرة على الأصناف التى تحتاج لتقنية عالية ويتم زراعتها فى مساحات صغيرة وتحتاج لخبرات كبيرة فى هذا المجال .

وللأسف فان هناك بعض المنتجين العرب الذين خططوا لإنتاج نفس الأصناف فكان عليهم استيراد كل شئ لازم لزراعة هذه الأصناف من الخارج فالصوب مستوردة بتجهيزاتها المعقدة والخبرات الفنية مستوردة فى صورة خبراء أجانب مما يجعل أسعار الزهور أو النباتات المنتجة فى هذا المشروع أغلى كثيرا من مثيلاتها المنتجة فى بلدان أخرى مما حدا بهؤلاء المنتجين إلى الاكتفاء بالبيع فى أسواقهم المحلية وصرف النظر عن موضوع التصدير محتمين بالتعريفة الجمركية العالية أو بمنع الاستيراد فى بعض الأحيان .

إذن فكيف يجب أن يفكر المنتج ؟
يجب على المنتج أن يبحث عن أهم عوامل نجاحه التى تؤهله لمنافسة غيره فى الأسواق الخارجية .
فمنتج الزهور فى مصر مثلا سيجد أن موقعه فريد فهو قريب من أسواق الشرق والغرب وهى ميزة نسبية قد تكون مفيدة إذا توفرت خطوط الطيران بأسعار منافسة – كما أن هذا المنتج سيجد أن المناخ فى مصر يعد مثاليا لإنتاج كثير من الأصناف شتاء وهو موسم تصدير الزهور كما سيجد أن تكاليف العمالة المدربة تعد معقولة إذا قورنت بأسعار العمالة المماثلة فى الدول الأخرى وسيجد أيضا الأراضى متوفرة وليس هناك مشاكل تذكر فى مصادر المياه وهكذا يستطيع أن يعد المنتج دراسته بنقاط قوته ونقاط ضعفه ليتمكن فى النهاية من اختيار أنسب الأصناف التى يجب عليه إنتاجها ويستطيع بها المنافسة.

وقد تكون البداية المنطقية هى اختيار الأصناف التى يمكن أن تنجح فى الشتاء (بدون تدفئه) وتحتاج مساحات من الأرض كبيرة كما تحتاج لعمالة كثيرة ولا تحتاج إلى تقنية عالية ويفضل أن يكون وزن الزهرة خفيفا ولا تحتاج لنظام تعبئة معقد . هذه هى المعادلة التى يجب على المنتج وضعها فى اعتباره قبل البدء فى وضع خطته للإنتاج .

من النقاط الأخرى التى يجب على المنتج بحثها قبل البدء فى الإنتاج هى الأسواق التى ينوى تصدير إنتاجه إليها فيجب عليه البدء بعدة أسواق للتركيز عليها قبل التوسع لتشمل أسواقه العالم كله فى حالة نجاحه وتوسعه .
والوضع الطبيعى لمنتج الزهور فى مصر هو الاتجاه لأسواق الدول العربية وأوربا – فأمريكا تعتبر سوقا صعبا جدا له لارتفاع تكلفة الشحن ومنافسة المنتجين المتمرسين فى أمريكا اللاتينية (كولومبيا والإكوادور).
أما أسوق اليابان وشرق آسيا فلنفس الأسباب يجب عدم البدء بها حيث أن تكاليف الشحن الجوى أيضا مرتفعة والمنافسة حادة من المنتجين فى الهند وتايلاند وغيرها . أما أفريقيا ففيها من المنتجين أكثر كثيرا من مستهلكى الزهور .


إذن فأوربا هى البداية وهى السوق الطبيعى للمنتجين العرب فكيف إذن يمكن الدخول فى الأسواق الأوربية ؟
هناك طريقتين أساسيتين لبيع الزهور فى أوربا :

اما البيع للبورصات وتتميز هذه الطريقة بضمان سداد قيمة الزهور وإمكانية البيع بشكل دائم حتى لو كانت تشكيلة الأصناف أو الألوان قليلة كما يميزها الحصول على السعر الحقيقى الجارى للأصناف المباعة – إلا أن ما يعيبها الشروط المتشددة للبورصات فى قبول النوعية والفرز كما يعيبها التذبذب الشديد فى الأسعار من أسبوع لآخر ومن يوم لآخر فى بعض الأحيان .

أو البيع مباشرة للمستوردين ويميز هذه الطريقة الحصول على أسعار مستقرة وأيضا يمكن الحصول من المستورد على معلومات تسويقية مهمة إلا أن ما يعيب هذه الطريقة وجوب الثقة الكاملة بين الطرفين وإلا خسر المنتج قيمة زهوره حيث أن طرق الدفع فى عالم الزهور مختلفة عن باقى السلع وذلك لطبيعة الزهور الخاصة من حيث قابليتها للتلف السريع ووجوب السرعة فى كل شى خاص بها من تعبئة وبيع وشحن وخلافه .

وللمنتج الاختيار بين أحد هذين الاحتمالين حسب طبيعة وكمية إنتاجه فان كان إنتاجه كبير جدا ومنتظم ومحدود النوعيات فالبورصات أنسب مكان لبيع منتجاته .
أما إن كان إنتاجه منوع أصنافا وألوانا وليس بالكميات الضخمة إذن فالأفضل له البحث عن مستوردين لشراء زهوره ليقوم بشحنها لهم بشكل منتظم .

وفى جميع الحالات فيجب على المنتج أن يعى أن أهم واجباته هى إنتاج الزهور بالمواصفات المطلوبة فى الوقت المطلوب فإذا قام بذلك فالباقى سهل أما إن قام بإنتاج أصناف غير مطلوبة أو عامل الزهور بشكل سيئ عند الحصاد أو عند التعبئة أو انتج الزهور فى وقت غير مطلوبة فيه أو انتج كل الكمية فى فترة محدودة وترك باقى السنة بدون إنتاج فالنتيجة التى يجب أن يتوقعها هى الوقوع فى مشاكل كبيرة وقد يخسر كل ما استثمره فى هذا المجال .
بالطبع إن هناك بعض العوامل التى قد لا يتمكن المنتج من السيطرة عليها كالمناخ وشركات الطيران وغيرها وقد تؤثر على نتيجة عمله سلبا وإيجابا إلا أن هذا ما ينظر إليه الاقتصاديون على أنه المخاطرة التى يجب أن يتحملها كل من يعمل بغرض الربح .

نرجع لسؤالنا الأساسى وهو : ماذا ننتج ومتى ؟

متى : فى شهور الشتاء بدءا من نوفمبر وحتى أواخر مايو حيث أن هذه هى الفترة التى تقوم أوربا باستيراد كميات كبيرة من الزهور .

أما الإجابة على السؤال ماذا ننتج فأظن إننا قد غطينا جزء كبير من طرق اختيار الأصناف فى هذه المقالة كما سنقوم بنشر معلومات عن طريقة زراعة بعض الأصناف التى تنجح فى مصر بالشروط التى ذكرناها سابقا .

هناك نقطة أخرى يجب أخذها فى الاعتبار عن وضع خطة الإنتاج وهى ماذا ينتج أهم المنافسين لى ؟
فعملية اختيار الأصناف قد تتأثر بما ينتجه جيرانى من منتجى الزهور مما يجعلنا إما أن نتجه لانتاج أصنافا مشابهة للتكامل أو اختيار أصنافا أخرى كى لا نتنافس وذلك بالطبع حسب كل حاله ولنا عودة ان شاء الله تعالى لهذه النقطة .

نرجو أن نكون قد وفقنا فى عرض هذا الأمر وان يكون ذلك للمنتجين معينا على رسم خطتهم على أسس علمية واقتصادية سليمة . والله الموفق .

مجدى العريان
أكتوبر 1999


إرسال تعليق