الخميس، 2 سبتمبر، 1999

الزهور فى الاقتصاد العالمى ومستقبل زراعة الزهور فى مصر (1)

(نشرت هذه المقالة فى نشرة الزهور العربية العدد الأول سبتمبر/أيلول 1999)
يعرف كل الناس أهمية الزهور فى حياتنا كقيمة جمالية تبعث البهجة فى النفوس كما تعد من أرق الهدايا وألطفها إلا أن القليل من يعرف أهمية الزهور فى الاقتصاد العالمى -  فإنتاج الزهور العالمى يزيد عن 21 مليار دولار (بأسعار التكلفة) تتم زراعتها فى حوالى 225.000 هكتار من الأراضى . وتعد اليابان وهولندا والولايات المتحدة من أكبر الدول المنتجة للزهور فى العالم . وإذا بحثنا عن أكبر مستهلكى الزهور فى العالم (لكل نسمة فى السنة) فسنجد سويسرا فى المقدمة (167 دولار) ثم النرويج  ( 160 دولار) فالنمسا (105 دولار) ثم ألمانيا (94 دولار) أما إذا نظرنا لإجمالى استهلاك بلدان العالم من الزهور (بأسعار المستهلك) فسنجد الولايات المتحدة قد احتلت المركز الأول (15 مليار دولار) يليها ألمانيا (8 مليار دولار) ثم اليابان (6 مليار دولار) .

أردت البدء بهذه المقدمة ليعرف القارئ أهمية الزهور فى الاقتصاد العالمى وأهمية معرفة الأرقام وما يجرى فى العالم من تطور فى هذا المجال مما يهم منتج الزهور ومصدر الزهور ومستورد الزهور وبائع الزهور وكل من يعمل بهذا المجال .


الزهور فى مصر :

قال لى أحد خبراء الزهور ببورصة آلسمير بهولندا  "إن مناخ مصر وموقعها يمكن أم يجعلاها من أهم منتجى الزهور فى العالم" .

 رغم ذلك فان هذه الصناعة لازالت تحبو فى مصر لأسباب عديدة يعرفها معظم العاملون فى هذا المجال . فعدم وجود الفراغات الكافية على خطوط الطيران وارتفاع تكلفة الشحن الجوى مما يصل للضعف إذا قورن بتكلفة الشحن من دول مجاورة وصعوبة الحصول على المواد اللازمة لإنتاج الزهور وعدم توافر مواد التعبئة المناسبة (مع صعوبة وارتفاع تكلفة استيرادها) وقلة المعلومات المتخصصة المتاحة عن هذه الصناعة  تعد من بعض الصعوبات الشهيرة التى يشتكى منها المنتجون والمصدرون .. كما أن عدم انتظام السوق المحلية وعدم وجود بورصة محلية  متخصصة بالزهور وعدم وجود تكتلات تجمع منتجى وموزعى الزهور .. كل هذا يعد أيضا من المشاكل التى تعوق هذه الصناعة فى مصر .

ورغبة منا فى سد أحد هذه الفراغات وهى توفير المعلومات اللازمة عن طرق الزراعة والأسعار العالمية وأحوال الأسواق وكل ما يهم العاملين بهذا الحقل من معلومات فنية وتجارية من أجل ذلك قررنا إصدار هذه النشرة التى نرجو أن تكون معينا للمنتج والمصدر والمستورد والموزع والباحث .
    
انتاج الزهور في كينيا
أن إنتاج الزهور لم يعد مقصورا على الدول المتقدمة فقد دخلت فى هذا المجال كثير من الدول الإفريقية مثل كينيا وزيمبابوى وأوغندا والمغرب وجنوب أفريقيا وكذلك كثير من دول أمريكا الجنوبية مثل كولومبيا و الإكوادور . وكمثال فكينيا تقوم بتصدير أكثر من 36000 طن من الزهور سنويا معظمها لهولندا وبريطانيا وألمانيا مما يعد أسرع العناصر نموا فى الاقتصاد الكينى (15-20%) كما أصبحت الزهور رابع أهم عنصر فى الاقتصاد الكينى بعد القهوة والشاى والسياحة .

ويبين الجدول التالى نصيب الدول المختلفة من حصة تصدير الزهور والنباتات :
إضافة تسمية توضيحية
كل هذه الأرقام تدعونا للتأمل فيما يجب فعله للنهوض بهذه الصناعة فى مصر لتحتل مكانها الطبيعى فى هذه الجداول فمصر تحتل موقعا جغرافيا يتميز على الكثير من هذه البلدان وتتمتع بطقس يكاد يكون مثاليا لإنتاج الزهور -  فماذا بقى ؟ بقيت الخطة والإدارة والتمويل وتذليل العقبات أمام المنتجين والمصدرين .

إن معظم إنتاج الزهور فى مصر لازال بين يدى منتجين صغار كثيرين مما يصعب على إدارات الدولة الوصول إليهم لمعرفة مشاكلهم ومساعدتهم لذا فان الإدارات الحكومية غالبا ما تتجه لبعض المنتجين الكبار المعروفين  فلا يتحقق الهدف المنشود من هذا اللقاء .

إن اكبر مشاكل المنتج الصغير هو غياب المعرفة وعدم وجود الإرشاد الكافى لتوجيه عمليات الإنتاج والمناولة والتعبئة والتسويق كذلك يعانى هذا المنتج من عدم وجود قنوات نظامية لتصريف إنتاجه وبيعه بالأسعار المجزية فكما ذكرنا لا توجد بورصة محلية للزهور تحمى المنتج والمشترى والمصدر فى نفس الوقت بل على العكس من ذلك فالسوق المحلى تتحكم فيه مجموعة من الموزعين (تجار جملة) وسماسرة مما يجعل المنتج والمصدر فى موقع لا يستطيعا فيه رسم خطة أو حتى التنبؤ بما يمكن أن يحدث فى هذا السوق.. فالموزعون يتصارعون والأسعار تتحدد بناء على نتيجة هذا الصراع .


بورصة آلسمير في هولندا
أين المنتج من ذلك ؟ نقصد المنتج الصغير بالطبع .. المنتج يعتمد على الموزع فى تأمين المواد الأولية للزراعة من بذور وأبصال وغيرها لذا فهو مجبر على تسليم إنتاجه لذلك الموزع تسديدا لديونه دون حتى أن يعرف ما هو السعر السائد لحظة البيع لذا فان أى تشكيل تجمع يجمع العاملين بهذه المهنة يجب ألا يهمل هذه العلاقة ويجب أن يحافظ على حقوق كلا من المنتج والموزع فالمنتج له الحق بالحصول على أسعار السوق لمنتجاته والموزع له الحق فى استرداد ما دفعه للمنتج دون أن يبخس فى قيمة منتجاته فكيف إذن يمكن تحقيق هذه المعادلة الصعبة؟ الحل هو ما فعلته كل الدول المنتجة للزهور بإنشاء بورصة متخصصة لبيع الزهور تكون مسئولة أمام البائع بالحصول على أسعار السوق وتكون مسئولة أمام المشترى بتسليمه النوعية والكميات المطلوبة بعد استلام الإنتاج من المنتجين وفرزه وتدريجه حسب المتعارف عليه فى هذه الصناعة .

فماذا عن المشاكل الأخرى؟ المواد الأولية اللازمة لإنتاج وتصدير الزهور تحتاج لمعاملة خاصة من إدارات الدولة فمن غير المعقول أن تبقى بذور الأزهار فى المطار لإنهاء الإجراءات أكثر مما تقضيه فى الأرض لإنتاج الزهرة ! إن ذلك يعنى أن دورة رأس المال قد زادت للضعف بسبب بعض الإجراءات الروتينية التى يمكن تلافيها بسهولة .

أما مشكلة الشحن الجوى فهى من أعقد المشاكل حيث يتحكم فيها أطراف عديدة يصعب التوفيق بين مصالحها فشركة الطيران الوطنية لا ترى أى فائدة أو ربح من تخفيض قيمة الشحن طالما أن الفراغات لديها كلها محجوزة مقدما والشركات الأجنبية أيضا لا يهمها من قريب أو من بعيد دعم الصادرات المصرية .

البعض اقترح تصدير الزهور المصرية على طائرات شحن خاصة وهذا الاقتراح فاته أن المطارات الأوربية تتشدد فى موديلات الطائرات التى يسمح لها بالنزول بمطاراتها فيجب أن تكون نسبة الضوضاء والتلوث التى تصدره الطائرة ضمن حدود معينة وهذا التشدد يزداد من سنة لأخرى حيث تطبق هذه الإجراءات بالتدريج .

لذا فهذه المشكلة لا يمكن حلها كليا فى الوقت الحالى ولكن  يمكن الالتفاف حولها والتقليل من آثارها السلبية وذلك مثلا  بوجود مكتب لترويج الزهور المصرية فى إحدى المدن الأوربية (يتم اختيارها بعد دراسة كل الاحتمالات) ويكون ضمن اختصاصات هذا المكتب تنظيم استلام الزهور المصرية وتجميعها إن لزم الأمر أو تقسيمها وإعادة شحنها للعواصم الأوربية الأخرى بالشاحنات المكيفة . بالطبع يجب اختيار المدينة الأوربية بعناية بحيث يكون عليها حركة كبيرة من شركة الطيران الوطنية وتكون فى مركز يمكن منه إعادة الشحن على الطرق السريعة لمدن أوربية أخرى مع العلم بأن كل الدول المنتجة للزهور من خارج أوربا (أفريقيا آسيا أمريكا اللاتينية ) لها مثل تلك المكاتب فى أكثر من عاصمة أوربية (وسنقوم إن شاء الله بتغطية نشاط هذه المكاتب فى الأعداد القادمة ).

باختصار يمكننا تلخيص اقتراحاتنا كمفاتيح للحل فى عدة كلمات :
         · حل مشاكل تأمين المواد الأولية لإنتاج الزهور .
         · إنشاء بورصة محلية  للزهور وتكوين تجمع للعاملين فى مجال الزهور .
         · محاولة حل مشاكل الشحن الجوى أو التخفيف من آثارها .
         · تأمين المعلومات الفنية والتسويقية المناسبة للمنتج والمصدر .

قد يظن القارئ أننا قد خلطنا بين السوق المحلى والتصدير والحقيقة أن القيام بهذه الصناعة لن يتم إلا بحل مشاكلها كلها فالمصدر حين يحتاج لتصدير نوع معين من الزهور فهو يبحث عن الموزعين والمنتجين لهذا النوع وكذلك المنتج الذى أنتج للتصدير ثم لم يجد فى فترة من الوقت الأسعار السائدة عالميا تكفى لتغطية مصاريف شحن هذه الزهور فأين يمكنه بيع هذه الزهور إلا فى السوق المحلى لكى لا يخسر ولكى يستمر فى الإنتاج . إذن فالعملية كلها متداخلة ويجب النظر إليها كعملية متكاملة ويجب وضع الخطط والحلول على هذا الأساس .

نرجو أن نكون قد وفقنا فى عرض الموضوع بشكل عام حيث إننا سنقوم بإذن الله بالدخول فى تفاصيل كل نقطة فى الأعداد التالية ونرجو من السادة القراء إن كان لديهم أى اقتراحات أو اعتراضات أن يرسلوها لنا على عنوان المجلة . والله  ولى التوفيق .

مجدى العريان
سبتمبر 1999


إرسال تعليق